محمد أبو زهرة

2835

زهرة التفاسير

أي أن الأخلاف قالوا عن أسلافهم أعطهم يا رب العالمين عذابا مضاعفا عنا لأنهم هم الذين اتبعناهم فأضلونا ، فالعرب كانوا يقولون نتبع ما كان عليه آباؤنا ، أو نتبع ما ألفينا عليه آباءنا - فكانوا ضالين بضلالهم والضّعف هو المثل ، والمعنى اجعل لهؤلاء الذين أضلونا عذابا زائدا بمقدار الضعف المماثل لعذابنا وكأنهم يريدون أن جريمتهم جريمتان : إحداها ما فعلوه وفعلناه ، والثانية أنهم أضلونا فعليهم وزر مثل وزرنا وعليهم وزر آخر ؛ لأنهم أضلوا . وقد رد اللّه قولهم بأنهم فعلوا مثل ما فعل أسلافهم فكانوا مضلين لمن بعدهم كما أضلهم من سبقوهم . وكذا قال تعالى : قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ . أي يقول لهم رب العزة لكل منكم أنتم التابعون والمتبوعون ضعف من العذاب مثل العذاب الذي نزل بكل منكم ؛ لأن كلا منكم ضال ومضل ، فالخلف ضلوا بسلفهم وأضلوا من بعدهم ، فإذا كان منطقكم أن يزيد من أضل على من ضل فأنتم أضللتم ولكن لا تعلمون سريان الفساد من جيل بعد جيل ، وكل يضل من بعده . وإن الترامي بالضلال يتبادل بين التابع والمتبوع ، وكل تابع هو متبوع لمن بعده ، وقد ردت الطائفة الأولى على من بعدها فقالت ، وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) . وأولاهم هي المتبوعة أي هي السلف ، والثانية الحلف ، وهذه معان نسبية فكل جيل يكون طائفة أولى لمن يليه وتكون ثانية بالنسبة له ، وهكذا تتعاقب الأجيال ، وتتطارح الوزر ، كل تطرحه على من سبقها والجميع في ضلال مبين . وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ و « من » هنا للاستغراق أي ليس لكم علينا أي فضل يخفف العذاب ، أو يوجب أن يثقل العذاب علينا فوق عذابكم ؛ فأنتم ضللتم كما ضللنا والعذاب للضلال والعناد أو الكفر وقد شاركتمونا في ذلك ، وإذا كنا قد أضللناكم واتبعتمونا في ضلالنا ، فقد أضللتم غيركم ، واتبعوكم في ضلالكم كما اتبعتمونا .